أحمد بن محمد مسكويه الرازي
61
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
نرى في هذا الخيار تأثير ابن العميد عليه حتى بعد موته ، يقول مسكويه : « ولكنّه رحمه اللّه لما حصل بفارس علّم عضد الدولة وجوه التدابير السديدة وما تقوم به الممالك وصناعة الملك التي هي صناعة الصناعات ، ولقّنه ذلك تلقينا فصادف منه متعلّما لقنا ، وتلميذا فهما حتّى سمع من عضد الدولة مرارا كثيرا أن أبا الفضل بن العميد كان أستاذا . . . ويرى أن جميع ذلك مستفاد منه ومأخوذ عن رأيه وعلمه » . « 1 » نستنتج من ذلك أنّ مسكويه قد تعرف على سيد العراق المقبل ( عضد الدولة ) في فترة مؤاتية تساعده على أن ينال ثقته وصداقته وتقديره . ولا ريب في أنه حرص على إقامة علاقات طيّبة مع عضد الدولة ، وبالتالي فعند ما قرّر مسكويه أن يضع نفسه في خدمته ، فإنّه كان يشعر بسعادة مزدوجة . أولا : سيتمكن مسكويه من إثارة ذكرى ابن العميد كلّما شاء أمامه . ثانيا : سوف يقترب من شخص كبير يتبنّى فكرا سياسيا عزيزا عليه . فأصبح مسكويه في بغداد كنديم لعضد الدولة هذه المرّة ، ولكن بالإضافة إلى وظيفته راح يملأ وظيفة خازن بيت المال ، فقد عيّنه عضد الدولة عام 368 ه لكي يذهب إلى أردمشت من أجل جرد أملاكها وثرواتها . وكذلك دخل مسكويه في خدمة الأمير بصفته حكيما أخلاقيّا ، فمستشارا ، فتقرّب من الأمير كل التقريب ، ولهذا السبب نجده في كتاب تهذيب الاخلاق - الذي بين أيدينا - يتحدّث عنه بصفته : « أعظم من شاهدت من الملوك » . ثمّ إنّ الإهداء الذي صدّر به كتابه تجارب الأمم يدل على مدى تبجيله لعضد الدولة حيث يقول :
--> ( 1 ) . تجارب الأمم ج 2 ص 281 .